news edu var comp
syria
syria.jpg
مساهمات القراء
عودة إلى الصفحة الرئيسية
    شعر
 
    قصص قصيرة
 
 
الأرشيف
أرشيف المساهمات القديمة
قصص قصيرة
المنظر من حافة البناء الشاهق...بقلم: محمد جميل صالح

ثرثرة لا داعي لها:لسبب أجهله أحب أن أثرثر قليلاً في بداية أي شيء أكتبه ولا أظن أنني بصدد تغيير هذه العادة ولكن على أية حال تستطيعون تجاوز هذه الصفحة ولن يؤثر ذلك على القصة شيئاً.
أدين لهذه الفكرة التي انتظمت في عدة صفحات لكثير من العقول التي غيرت نظرتي لهذا العالم وتراكمت تلك الرؤى لتصبح جزءاً كبيراً من شخصيتي ومن رؤيتي لهذا العالم. هاروكيموراكامي وباولو كويلو وجورج أورويل وفرانز كافكا هم عرابو هذه الصفحات فمنهم استلهمت ومنهم صقلت أفكاري وغيرت رؤيتي.
 


إهداء: إلى كل أولئك الذين يبحثون عن حقيقتهم وذواتهم... على أمل أن يجد كلٌّ منا نفسه ذات يوم.

أقف على حافة بناء شاهق، ولنقل بأنه أعلى بناء في هذا العالم. تفترش المدينة المنظر من حولي فأينما أنظر هناك أبنية ومركبات وأعمدة وأرصفة وأناس والكثير من الأشياء ولكن كل شيء يبدو صغيراً من حيث أقف وأراقب. فلا الأبنية تبدو أبنية ولا المركبات تبدو كما هي أما الناس فبالكاد يرون من حيث أقف. أجلس على الحافة وأترك قدميّ لتتأرجحا بحرية وأتخيل نفسي أركل الأبنية البعيدة وأدهس المركبات ويخترع دماغي صوراً للدمار الذي يمكنني أن أحدثه ويزامنه مع موسيقى تصويرية ملحمية بطولية لا أذكر أين سمعتها ولا متى.


أغمض عيني لأخذ نفسٍ عميق والاستمتاع بعظمة اللحظة وجماليتها وأفتحهما بعد مدة لأجد نفسي أقفز مبتعداً عن عجلات مركبة عملاقة كادت أن تدهسني ويمر هيكلها من فوقي دون أن أسمع لها صوتاً وأشعر بقلبي يكاد يقفز من مكانه من شدة الخفقان وبأنفاسي تكاد تنقطع من الرعب. كانت المركبة عديمة الصوت بالنسبة إليّ على عكس قلبي وأنفاسي اللذين جن جنونهما. بالكاد تمالكت نفسي وتمكنت من العبور إلى الرصيف الجانبيّ ولحسن الحظ وجدت الحافة مخربة جزئياً ولهذا تمكنت من الصعود إلى الرصيف وإلا لما كان بمقدوري تسلق الحافة التي كانت شاهقةً نسبياً. أنظر من حولي وبالكاد أستوعب الصدمة. بالكاد أستوعب كيف انقلب الأمر. منذ برهة كنت سامياً كبيراً وعالياً وكان العالم صغيراً عند قدمي أركله كيفما أشاء وأتلذذ في تخريبه أما الآن فأنا صغير تافه بلا أية قيمة وأضعف من أن أغير شيئاً أو أحرك شيئاً في هذا العالمالخرافي بضخامته وسرعته ولامبالاته.


أسير في الشوارع وأنا أحاذر أن تدهسني أقدام المارة العملاقة أما الأصوات فنادراً ما أسمعها وكل ما يردني منهاأسمعه مشوشاً وغير مفهومٍ على الإطلاق، للوهلة الأولى خشيت أن أكون قد أصبت بالصمم ولكن كان بمقدوري أن أسمع صوتي وأصداءه بعد أن جربته ولهذا لم يتبقَّ أمامي سوى احتمال واحد وهوأنّ أذنيّلم تصمّما لسماع أصوات هذا العالم. تندلع أزمة انتماء حادة في دماغي الذي بدأيفكر بأنني لا أنتمي إلى هذا العالم وعلى الفور ينقسم داخلي إلى أقسام كثيرة وآراء كثيرة وتبدأ عاصفة الأفكار الوحشية.


تستوقفني مكبرة صوت عملاقة موضوعة أمام أحد متاجر الأقراص المدمجة وتعود إليّ ذكرى ضبابية كما لو أنها تعود إلى حياة سابقة.أرى نفسي أملك الكثير من الأقراص المدمجة وأتباهى بها أمام أحدهم ثم عاد الذهول إلى عيني عندما لاحظت أنه بإمكاني أن أمر من خلال ثقوب مكبرة الصوت التي أماميوأن أنفذ إلى داخلها وفجأة صفعتني ريح قوية حركت شعري وهزت ثيابي بقوةصادرة عنها وأدركت أنها ربما بدأت تبث موسيقى لا تستطيع أذنيّ التقاطها ووعيت لحقيقة أخرى جديدة أننيضعيف لدرجة أن تهزني نسمة هواء كانت سابقاً غير موجودة حتى بالنسبة إلي.


أسير وأنا أفكر وأحاول أن أقنع نفسي أنني داخل حلم متسلحاًبالكثير من الأدلة التي تدعم هذه النظرية مثل أنّ لا شيء منطقي في كل ما يجري من حولي ولا أعرف بداية للأمر ولا سبباً ولا تفسيراً لهذا الجنون المطلق، كل ما حولي يوحي بأن هذا حلم ولو لم أنجح في إقناع دماغي بهذه النظرية لكنت الآن قد فقدته من غير رجعة. ثم بدأت أفكر أنه لو كان علي أن أقنع دماغي بفكرة ما فمن أكون؟ شعرت بصوتٍ غريب يتحدث داخل رأسي يشبه صوت معلق في برنامج وثائقي كان يقول بلهجة خطابية متأنية وحذرة وواضحة:
"من تكون؟ من أنت؟
هل تستطيع أن تخبرني؟


هل أنت عقلك؟ لو كنت كذلك فلم عليك أن تقنع نفسك بمنطقية الأشياء وتحشر فيه النظريات وتناقش نفسك في أي شيء أو تتردد في أي قرار تتخذه؟ ولماذا تدرك أنك تفكر؟ أما كان عقلك ليحدّ من إمكانياتك كي يبقى مسيطراً متحكماً بكل جزء منك مهما كان صغيراً؟


هل أنت قلبك؟ لو كنت كذلك ألن تكون مجرد عضلة تضخ الدم في عروقك؟ هل تقبل العيش مع فكرة أنك مجرد حركة روتينية ضرورية لجسدك لا أكثر من ذلك؟!
هل أنت جسدك؟ لو كنت كذلك فكيف تستطيع أن تقنع نفسك بأنك تختلف كثيراً عن أي من المخلوقات الأخرى غير الإنسانية؟ كيف تستطيع أن تعيش مع فكرة أنك مجرد كائن يأكل ويتحرك ويتكاثر؟
هل أنت روحك؟ ولكن ماذا تعرف عن الروح؟ وماذا يعني لك الأمر أن تكون روحاً؟ هل روحك تعطيك هيئتك وماهيتك أم أنك تعطي روحك حقيقة وجودها؟ هل تعرف بوابة الجحيم التي يمكن أن تفتحها على عقلك إذا فكرت بأنك مجرد روح؟
هل أنت كل ما سبق؟ عادةً في أي شيء عندما يتواجد سلطانين فإن الأمور تصبح فوضوية وعبثية فتخيل أن تكون مزيجاً من كل هؤلاء السلاطين... هل تستطيع أن تتخيل كم ستكون ممزقاً ومشتتاً؟هل تستطيع أن تتخيل العاصفة التي ستعصف بك يا أنت الذي تحاول أن تدرك من أنت؟"

انقطعت سلسلة أفكاري، لحسن حظي أو لسوئه لست أدري، فقد كان عليّ أن أهرب من قطة جهنمية عملاقة بدأت تلاحقني وتذكرت تلك اللحظة عندما كنت أقف على تلك الحافة الشاهقة ولم يكن بمقدوري حتى أن أرى هذه القطة لصغرها. ولكن الآن بتّ أن الصغير الذي بالكاد يساوي لقمة لهذه القطة التافهة.


أستغرب من سرعتي في الهرب ورشاقتي في الدخول بين الشقوق وتمكنت بسهولة من التملص من براثن تلك القطة اللعينة وبدأت أفكر أنني قد لا أكون قادراً على سماع أصوات هذا العالم ولكنني قادرٌ على تلافي أخطاره وتمنيت بكل جوارحي أن أكون على حق في هذا فلا أستطيع أن أواجه احتمال أن أكون على خطأ لأن كلفة ذلك قد تكون حياتي التي باتت الآن موضع شك بكل تفاصيلها وأحداثها.
وجدت نفسي أجوب أحد المجاري المائية بعد أن تسللت عبر إحدى حفر الصرف الصحي بعيداً عن تلك القطة ووجدت نفسي وحيداً لأول مرة منذ وقت طويلٍ نسبياً فجلست مقاطعاً ساقيّ وعاقداً ذراعي أمام صدري وأخذت أفكر في سنوات عمري كما لم أفكر من قبل.. فكرت كيف أنني قضيت سنوات المراهقة بحثاً عن الحب وسنوات العشرين بحثاً عن المال والعمل وسنوات الثلاثين بحثاً عن الاستقرار وسنوات الأربعين بحثاً عن الحقيقة وسنوات الخمسين بحثاً عن السعادة ثم اتسعت عيناي من هول السؤال الذي طرحه دماغي... كم سنة صار لي على قيد الحياة؟ وكم سنة عشت حقاً؟ بل وكم بقي لي في هذه الحياة؟ هل عليّ أن أفكر في حياتي على أنها شريط مصور أم أنها لوحة ثابتة؟ هل عليّ أن أفهم الزمن على أنه متدفق ونحن ثابتون أم أننا متدفقون وسط زمن ثابت؟


تنقطع سلسلة أفكاريمن جديد، وهذه المرة من حسن حظي حتماً لأنني بالكاد نجوت بنفسي من جنون نفسي، بسبب جرذ عملاق بالكاد لمحته قبل أن ينقضّ علي وبدأت أبتسم من سخرية الأمر كيف أنني أصبحت فريسة للقطط وللفئران في آن واحد وفكرت أنه ربما عليهم أن يصوغوا مصطلحاً لغوياً جديداً يعبر عن حالتي فإذا كنت فريسة للمفترس وللفريسة في آن فماذا سيكون موضعي في السلسلة الغذائية؟ في العالم الذي كنت به قبل أن يبدأ كل هذا كنت أتربع عرش الهرم الغذائي وما كان علي أن أخشى على نفسي إلا من زملائي في قمة الهرم فوحدنا كنا نفترس كل شيء ونفاخر بذلك بشدة.


ومن جديد أتمكن من الهرب برشاقة بدأت أزداد إعجاباً بها أكثر وأكثروينتهي بي الأمر وحيداً وسط رصيف أتجنب أقدام المارة ومرة أخرى يصيبني الذهول من ضخامة هذا العالم ومن ضآلتي ومن عظمة كل ما حولي ومن تفاهتي.

بدأت تلافيف دماغي تعمل بحثاً عن حل لهذا الوضع الذي أنا فيه وعادت إلي ذكرى ضبابية أخرى عن حكاية أليس في بلاد العجائب كيف كانت تكبر وتصغر بعد أن تأكل فاكهة ما وكم تمنيت لحظتها لو آكل من تلك الفاكهة لأكبر وأصبح ذا وزن وحجم في هذا العالم. كانت تلك المرة الأولى في حياتي التي أتمنى فيها أن أكون محط الأنظار أو على الأقل مرئياً من قبل الجميع أنا الذي لطالما عشت أتجنب الأضواء وأجلس في الزوايا وأبتعد عن الزحام أنا الذي لطالما سرت على طرف الرصيف ها أنا أسير الآن في منتصفه.


وجدت نفسي أعلو وأهبط بانتظام وهدوء وبعد برهة أدركت أنني عالقٌ في رباط حذاء أحد المارة. نظرت إلى الأعلى ووجدته يحمل حقيبة ويتحدث بهاتفه الخلوي. تساءلت عما يمكن أن تكون ردة فعله لو أنه رآني وفكرت في تبادل الأدوار معه للحظة، ماذا لو أنني أنا الكبير الضخم القوي عثرت على كائنٍ صغير أستطيع أن أفعل به ما أشاء؟ ماذا كنت لأفعل به حينها؟ ثم أطلقت ضحكة شريرة كنت ربما سأحبسه بزجاجة وألهو به قليلاً ثم سألقيه أو أتباهى به أمام أحدهم لأنال إعجابه وربما كنت لأتاجر به أو أجرب عليه سلسلة من الاختبارات التافهة من أجل اللهو والعبث، استغربت من كثرة السيناريوهات التي خطرت لي دون حتى أن أبذل جهداً في التفكير بها واستغربت أكثر من قدرة دماغي التصويرية المبهرة على خلق شرائط مصورة مليئة بالتفاصيل لكل ما كنت أفكر فيه آنيّاً ثم شهقت بعد أن تذكرت أنني أنا الصغير والضعيف وأن صاحب رباط الحذاء الذي يحملني هو الكبير والضخم والقوي.


قررت أن أتشبث برباط الحذاء وأذهب معه حيث يشاء فكما يقولون "إن كنت لا تدري إلى أين تريد أن تذهب فكل الطرق تؤدي إلى هناك" وتذكرت كم وجدت هذا المثل سخيفاً أول مرة قرأته ولكنني الآن مليء بيقين أعمى أنه حقيقة لا تقبل الشك. استفدت كثيراً من ميزة التشبث بالرباط فما عاد هناك داعٍ لتجنب أقدام المارة ولا الركض طوال الوقت. توقف الحذاء في النهاية أمام باب زجاجي عملاق وقررت أنني لن أترك الحذاء حتى ينتبه صاحبه إلى وجودي. دخلنا مكاناً مضيئاً بشدة وانزلقت دون إرادة مني عندما انحنى صاحب الحذاء لينفض الغبار عن سرواله ثم وقفت أتأمل المشهد من حولي ويا لهول ما رأيت!


كان المكان يختنق بالازدحام. أناسٌ غريبون يتحركون بسرعة طوال الوقت ويجرون المكالمات الهاتفية بأصوات مكتومة بالنسبة إلي ويتبادلون الأوراق والملفات. كانت تلك اللحظة أكثر لحظة أشعر بها أنني لا شيء. كانت الحياة من حولي صاخبة وسريعة ومذهلة وكنت أنا اللاشيء أراقب دون أن يكون بمقدوري أن أفعل شيء. تشبثت من جديد برباط حذاء أحد المارة ولكن هذه المرة بإرادتي وذهب بي إلى بوابة آلية فتحت لتظهر لنا حجرة مغلقة دخلها صاحب الحذاء الجديد وتوقف داخلها وبدأت ترتفع بنا.


توقف المصعد بنا على سطح البناء الذي كنا فيه فنزلت عن الحذاء وحاولت بجهد كبير أن أتسلق حائطاً صغيراً يفصلنا عن الهاوية. كان بمقدوري رؤية صاحب الحذاء الذي جاء بي إلى هنا وهو يشعل لفافة تبغ ويدخن ولكن عندما استدرت لأرى المشهد أمامي أصابني الذهول الشديد. بقيت جامداً متسمراً في مكاني دون أن أحرك ساكناً وفجأة سمعت الأصوات. سمعت صاحب الحذاء يتحدث بهاتفه وسمعت أصواتاً كثيرة أخرى غير مألوفة لي ابتسمت من غير إرادة لقد أدركت الحقيقة. كل ما كان يتطلّبه الأمر هو نظرة شاملة لهذا العالم لتفهمه ولتدرك موقعك منه.

تخيل نفسك تجوب أحد شرايين كائن عملاق، هل كنت لتدرك أنك داخل هذا الكائن العملاق؟ ثم تخيل نفسك تخرج من شرايينه وتراه من الأعلى، هل بمقدورك أن تمنع نفسك من الابتسام بسخرية بعد أن تكون قد فهمت الحقيقة؟.
أدركت أنني في جسد ضخم وأن البناء الذي أقف الآن على حافة سطحه ما هو إلا دماغ هذا الجسد ونظرت إلى الأسفل لأرى أن الشوارع ما هي إلا أوردته وأن القط والفأر اللذين هاجماني كانا يدافعان عن الجسد بحكم أنني غريب عنه. عادت إليّ من جديد صورة قديمة لي أقف على حافة بناء شاهق وأرى العالم كله صغيراً بلا أية قيمة وأخذت أركل الأبنية البعيدة وأتخيل مشاهد الدمار الذي يمكن أن تحدثه ركلاتي. كنت أعجز عن التوقف عن الابتسام حتى تحول إلى ضحك عندما أدركت حقيقة أخرى أنني أنتمي إلى مخلوقٍ آخر من بني جنسي هو الذي انفصلت عنه ومرر إلي حمضه النووي وأن كل هذه الأفكار والرؤى التي لدي مصدرها هو ذلك الذي أنجبني إلى هذا العالم الذي بات مفهوماً بالنسبة إلي ومدركاً بالكامل.


الآن أصبحت أمام خيارين، الأول أنني خلية غريبة عن هذا العالم وأنه عليّ أن أموت وأتلاشى لأحفظ توازنه ونظامه، والخيار الثاني أنني علي أن أغير هذا العالم على طريقتي وألا أبقيه كما هو أما الطريقة إلى ذلك فغريزية فما عليّ إلا أن أبحث عن أبناء جنسي وأن نتكاثر ونتحول من دور الهارب من القط والفأر إلى دور المهاجم لهما. كان الخيار واضحاً فإرادة الحياة أقوى من يأس الموت ولو كانت حياةًعلى حساب هذا الكائن الكبير. كان الخيار واضحاً فبالنهاية أليست الحروب هي الحياة؟ ألست حيّ بحربك مع نفسك؟ أليس هذا العالم حياً بحربه بين أبنائه؟ تخيل أن تنتهي الحروب من أي عالم.. ألن يعني ذلك موت ذلك العالم وفناءه؟!.
 

2018-03-04
أكثر المساهمات قراءة
(خلال آخر ثلاثة أيام)