news edu var comp
syria
syria.jpg
مساهمات القراء
عودة إلى الصفحة الرئيسية
    مقالات
 
    خواطر
 
 
الأرشيف
أرشيف المساهمات القديمة
مقالات
متى سيعي الجميع أن التطرف مصيره أخيرا الفشل سواء كان دينيا أم سياسيا ...بقلم: د. عبد الحميد سلوم

** هذا الموضوع يأتي في إطار الحوار بين السوريين الذين باتوا ينشدون تحقيق الحل السياسي وطي هذه الصفحة المظلمة والمؤلمة والسوداء من تاريخ سورية ... الجميع يعلم أن هناك انقسامات عميقة في المجتمع السوري ورؤى متباينة جدا وهذه تعكسها التباينات الشديدة من الحل المنشود، وكلما طال الزمن وتأخر الحل فإن الأمور في طريقها للتعقيد أكثر وأكثر والضحية دوما هو هذا الشعب البائس اليائس الذي يتلاعب التجار والباعة كل يومٍ بلقمة عيشه ويرفعون الأسعار كما يشاؤون وكأنه لا توجد في البلد سلطات مسؤولة ومعنية بحماية هذا الشعب من جشع وطمع أولئك !..حينما يتأخر عسكري عن الالتحاق بقطعتهِ يرسلون له دورية مدججة بالسلاح، ولكن حينما تجوع الملايين ويتلاعب التجار والباعة بلقمة عيشهم فلا يكترث لذلك أحدا !..


**الكثيرون يجادلون أن الاعتدال بكل شيء في الحياة حتى على مستوى الأكل والشرب والطعام والاستهلاك ، هو الأمر الصحيح والسليم والمنطقي والمعقول ، فكيف إن كان الأمر يتعلق بالسياسة وحُكمِ الأوطان والتعامل مع قضايا الشعوب !.. التطرف سواء كان يساريا أم يمينيا يؤدي أخيرا إلى ذات النتيجة وهي الفشل والتدمير والخراب !..


*التطرف سواء كان دينيا أم سياسيا هو خطرٌ على الشعوب وبلدانها ويقود أخيرا إلى الفشل وتدمير البُلدان والشعوب لأن التطرف مخالفا لإرادة الحياة ولصيرورة الكون ولمنطق العِلم والدين !. وحتى لو نجح التطرف لوقتٍ ما وفي مكانٍ ما ، فإن نجاحه هو حالة استثنائية مؤقتة وعابرة ليس إلا ، ولا يمكن له أن يستمر !. ولذلك لا يمكن أن يكون الخيار في أي مكان بالعالم هو بين التطرف الديني أو التطرف السياسي ، وإنما الخيار هو في الاعتدال والوسطية ، أي في تشغيل العقل والمنطق والموضوعية وليس الغرائز ، لأن التطرف مسألة غريزية أقرب لسلوك التوحّش والوحوش ، يقوم على الأنانية والغرور ونكران الآخر وعدم الاعتراف به ، واحتكار كل شيء بما فيها "الحقيقة " فالمتطرف يعتقد بنفسه أنه وحده على صواب والجميع مخطئون وعليهم أن يتبعوه كما القطيع ودونما نقاش ولا جدل (كما هو حال رئيس كوريا الشمالية) .. بينما الاعتدال والوسطية والحوار وقبول الآخر والرأي الآخر هي مسألة عقلية ومسألة وعي وإدراك وفهم لطبيعة الحياة والأشياء !.


**لقد فشل تنظيم القاعدة لأنه كان متطرفا دينيا ، وسيفشل تنظيم داعش لأنه متطرفا دينيا ،وستفشل كافة التنظيمات الدينية المتطرفة والمتعصبة والطائفية ، وسيفشل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأنه متطرفا سياسيا وعنصريا ( ما لم يتراجع عن تطرفه وعنصريته) .. وسوف تفشل المرشحة الفرنسية ماري لوبين لأنها عنصرية ومتطرفة سياسيا ..


**ومن هنا يمكن القول أن الآيديولوجيا الدينية المتطرفة الإقصائية، وكذلك الآيديولوجيا السياسية المتطرفة الإقصائية، كلاهما آيديولوجيات فاشلة ولا تنسجم مع المجتمعات ومتطلباتها !. فالأنظمة السياسية الشمولية والدكتاتورية والمستبدة والإقصائية مصيرها الفشل الحتمي مهما طال بها المقام ، وهذا ما آلت إليه الحالة السوفييتية ودول أوروبا الشرقية التي كانت دائرة في الفلك السوفييتي !. بل وهذا كان مصير بعض الأنظمة العربية التي قامت على الشمولية والاستبداد والقمع والقهر والظلم والإقصاء والإلغاء ، وكل هذه المعاني المتطرفة !.. العدالة أساس المُلك ، وقد جعلناكم أمة وسطا ، وخير الأمور أوسطها ، هكذا هي الثقافة الإسلامية ، بل وحتى الثقافة المسيحية التي قامت على رسالة السلام والمحبة التي حملها بولص الرسول (أو بولص الطرسوسي الذي كان يُعرف بشاؤول اليهودي قبل اعتناق المسيحية) من دمشق إلى العالم قاطعا الشارع المستقيم (الذي ما يزال قائما حتى يومنا هذا )!..


**في الحياة كل شيء نسبي ومتغير كما الطقس، ومن يعتقد في زمنٍ ما أنه لا يُشقُّ له غبارا وقادرا على ممارسة كل أشكال التطرف في الحكم ، والدعس على الرقاب ، فربما هو نفسهُ قد يعيش الصورة معاكسة في وقتٍ آخرٍ .. فقد عشنا وشاهدنا ما حصل للرئيس العراقي السابق وللرئيس الليبي السابق !.. هُما من رسما نهايتهما المأساوية بأيديهما ، من خلال سلوكهما وممارساتهما وظلمهما وقهرهما لشعبيهما وعنادهما على الخطأ!.. فكم كان هتلر متغطرسا ويعتقد أنه رب البشرية ولكن هو من وضعَ أخيرا الرصاصة الأخيرة في رأسهِ قبل أن يضعها أعداؤه ..


**هناك أنظمة شمولية عديدة ولكن حكامها مختلفون ، فهم يحترمون شعوبهم ويسعون بكافة السبُل لتوفير السعادة لها ورغَد العيش .. وهناك أنظمة شمولية لا همّ لها سوى استعباد شعوبها وقهرها وإذلالها وحرمانها وتجويعها والاستئثار بثرواتها ، وكأن هذه الشعوب هي أكبر عدو لتلك الأنظمة ، أو كأن تلك الأنظمة غازية ولا تنتسب لتلك الشعوب .. فالحالتين موجودتين !.. والمُضحِك أنهم يصفون الأنظمة التي تقهر وتقمع شعوبها بـ (التقدمية) كما كان النظام الليبي والعراقي .. ويصفون الأنظمة التي تسعى جاهدة ليلا نهارا لإسعاد شعوبها وتحسين مستويات حياتها وخدماتها وتنميتها وتطويرها ، يصفونها بـ الأنظمة (الرجعية ) !.. ولذلك عشنا وشاهدنا كيف أن مواطني ورعايا الدول التقدمية يحلم واحدهم بفرصة عملٍ في بلاد (الرجعية) لم تتوفر له في بلاده !..


**لعلّ الكثيرون قرأوا قصة الكاتب الإنكليزي " جوناثان سوفيت " بعنوان : "رحلات كلِيفر" .. حيثُ كانت سفينته تتجه نحو الشرق فواجهتْ عاصفة حطمتها واستطاع النجاة من العاصفة ولجأ إلى أرضٍ كل أهاليها من الأقزام ، فتملكتهُ الغطرسة والغرور وشعر بنفسهِ أنه عملاقا في تلك الأرض وبإمكانهِ أن يستعبدهم ويمشي وهو يدوس عليهم ، ولكنه أخيرا وجدَ قاربا فأصلحهُ وعاد به إلى لندن !..


*غادر كليفر انكلترا مُجددا مع بحارتهِ باتجاه الهند وحينما وصل إلى شرق جزيرة مدغشقر واجهتهُ عاصفة شديدة أبعدته عن الاتجاه الصحيح ، فنزلَ على أرضٍ وتفاجأ أن كل أهاليها هذه المرّة من العمالقة وبدا هو وبحارته أقزاما أمامهم ، ولا يصلحون إلا طابات يلعب بها العمالقة ، وحتى الكلاب كانت بحجمِ الخيول ، ولم يتمكن من قتالِ فأرة ، فهرب أخيرا من بين أيديهم عائدا إلى بلاده !..


**الرسالة من قصة كلِيفر هي التأكيد أن كل شيء في الحياة نسبيا وأن يعرف كل إنسانٍ ذاتهُ وحجمه الطبيعي ولا يُصاب بالغرور ، فقد تكون اليوم مَلِكا كما شاه إيران بالماضي ، أو كما رئيس الفيلبين ماركوس ، ومن ثم تصبح مُشرّدا هائما على وجهك ...


**الحياة تحتاج للتوازن بالعقل والسلوك والتفكير والممارسة .. وليس للغرور والغطرسة والتعالي وجنون العظَمة !.. كمْ من امرءٍ لا تشتريه بقرشٍ بات من خلال النفوذ والسلطة ملياردير ، ومن ثمّ اعتقد بنفسه أنه مُنظِّرا ، ومن كبار المفكرين والمثقفين ، وصدّق نفسه ، فبات يتطلّع للناس من خلفِ كتفيه !.. بل منهم من قفزوا من فوق أكتافنا في يومٍ ما ثم باتوا لا يعرفوننا بعد أن أُتخِموا بالمال الفاسد ، ولو بقوا شرفاء ونظيفي اليد لكانت أحوالنا الاجتماعية أفضل منهم بمائة مرة !!.


**في إحدى روايالت الكاتب الكولومبي الشهير الراحل كابرييل غارسيا ماركيز ، يطلب بطل الرواية من أحد الخَدم أن يضع كأسا مليئا بالزيت على راحة يدهِ ثم يتجوَل حول القصر ويعود ليُخبِر البطل بكلِّ ما رآه ، شريطة أن لا تنسكب ولا نقطة من الزيت الذي في الكاس !.. وفعلا قام الخادم بالجولة وعاد إلى البطل ، فسألهُ : وماذا شاهدتَ ؟. أخبِرني بالتفصيل ؟. فقال الخادم : لم أرى شيئا لأنني طوال الوقت كنتُ أنتبه على الزيت وأنظر إليهِ حتى لا ينسكب من الكاس .. فقال له البطل : حَسنا، عُد هذه المرّة وضَعْ كأس الزيت على راحة يدك ، وانظر حولك وأنت تتجول ثم أخبرني بكل ما تراه !.. فقام الخادم بالجولة ثم عاد إلى البطل ليخبرهُ بما رآه وكان يصفُ له بالتفصيل كل شيء حوالي القصر .. فنظر البطل إلى كاس الزيت وقال لهُ : أين الزيت الذي كان في الكاس ؟. فأجاب الخادم : لقد انسكب وأنا أتجول لأنني كنت أنظر إلى ما هو حولي وليس إلى الكاس ... فقال البطل : الحكمة هي أن ترى كل شيء من حولك وأن تحافظ على الزيت بالكأس !.


**وهكذا فإن الحياة تحتاج إلى الحكمة والتوازن وإلى الانتباه لكل شيء .. إلى كاس الزيت وإلى ما يوجد من حولك .. إنها تحتاج إلى الاهتمام بكل البشر وليس فقط بالمناصب والعروش والسُلطة .. وعلى كل حاكم أن يهتم بالشعب في بلاده كما يهتم بمنصبه وقصورهِ ،، وإلا فإن الأمور لا يمكن أن تستقيم !.. وهناك حكاما كثُرا يهتمون بعروشهم ولكنهم يهتمون أيضا برفاهية وسعادة شعوبهم وبالعدل في بلدانهم ويحققون الاستقرار والتطور!!.


** يقول الإمام عليٍّ كرّم الله وجهه :
*لا تظلمنّ إذا ما كنتَ مقتدرا + فالظلم مرتعهُ يفضي إلى الندمِ ...
*تنامُ عينك والمظلوم منتبهٌ + يدعو عليك وعين الله لم تنمِ !..


ويقول الشاعر أبو البقاء الرندي صالح بن يزيد ، وهو يرثي الأندلس بعد سقوط غرناطة ، آخر معاقل المسلمين في تلك الديار :
*لـكل شـيءٍ إذا مـا تـم نقصانُ + فـلا يُـغرُّ بـطيب العيش إنسانُ
*هـي الأمـورُ كـما شاهدتها دُولٌ + مَـن سَـرَّهُ زَمـنٌ ساءَتهُ أزمانُ
وهـذه الـدار لا تُـبقي على أحد + ولا يـدوم عـلى حـالٍ لها شان
*أيـن الملوك ذَوو التيجان من يمنٍ + وأيـن مـنهم أكـاليلٌ وتيجانُ ؟
*وأيـن مـا شـاده شـدَّادُ في إرمٍ + وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ؟
*وأيـن مـا حازه قارون من ذهب + وأيـن عـادٌ وشـدادٌ وقحطانُ ؟
*أتـى عـلى الـكُل أمر لا مَرد له + حـتى قَـضَوا فكأن القوم ما كانوا
*وصـار ما كان من مُلكٍ ومن ملِكٍ + كما حكى عن خيال الطّيف وسْنانُ


**فمتى سيعتبر أولئك الحكام ومسئوليهم الذين يعتقدون بأنفسهم أنهم في مصافِّ الآلهة وأنهم خُلِقوا كي يُعبَدوا وكي يُعشَقوا ، ويتواضعون إلى مستوى عموم شعوبهم !!.


**هناك من يجادلون أن التطرف السياسي أفضل من التطرف الديني ، أو بالأحرى أقلُّ سوءا ، والخيار هنا بين السيء والأسوأ ، وكأنه لا توجد حالة وسطى تقوم على رفض التطرف بكل اشكالهِ .. نعم هناك حالة وسطى ، تقوم على الخيار الديمقراطي العلماني وعلى التعددية وصناديق الاقتراع واحترام حرية التعبير والنقد والاستجابة أخيرا لمشيئة وإرادة الغالبية الشعبية حينما يحتكم الجميع إلى صناديق الاقتراع ، بدل الاحتكام إلى آيديولوجيتين متطرفتين إقصائيتين لا تعترفان بالآخر ، إحداهما دينية والثانية سياسية !!. فالديمقراطية الصحيحة والسليمة هي كما الغربال الذي يغربل كل الشوائب فلا ترى من يصل إلى البرلمان ومراكز السلطة ممن هبَّ ودبَّ ، وإنما لا يصل إلا ذوي الكفاءة والمؤهلات والأيدي النظيفة والسمعة الطيبة والمتفانين لخدمة الشعب وليس المتفانين لخدمة جيوبهم وخدمة أولادهم ، ومَنْ يسندون صلاحياتهم إلى سائقيهم وكأن المؤسسات مزارع مملوكة لهم وموروثة عن أهاليهم ، فلا يحترمون أية قيم مؤسساتية ويدعسون على كل أشكال الأحقية والأقدمية والتراتبية ، هكذا بوقاحة غير مسبوقة دون أن يخضعوا لأية محاسبة أو مساءلة أو ردع !.


**لا يمكن لأي شكل من اشكال وألوان التطرف أن يكون ناجحا ولا عادلا ولا مقبولا ... وليتذكّر الجميع قصة الهرمزان وقوله : "حكَمتَ فعدلتَ فأمِنتَ فنِمتَ يا عمر " !.. فلا أجمل من العدالة والتواضع من أهل الحُكم وتفانيهم في خدمة رعاياهم !.. ولا أبشع من ظلمهم ودعسهم على الحق والأحقية وممارسة كل أشكال البغي والمعايير المزدوجة والانحياز الأعمى لاصحاب الدعم والواسطة والأهل والأقارب والأصحاب والأحباب وتحويل الدولة ومؤسساتها إلى مزارع وإقطاعيات !. من عندِ هؤلاء تبدأ الفوضى ويبدأ الانهيار والنخر والترهُّل في مؤسسات الدولة ، وتبدأ كل اشكال الفساد والإفساد ، وأخيرا تبدأ المظاهرات والاحتجاجات في الشوارع !!. واللومُ لا يقع على من يتظاهر ويحتجُّ وإنما على من دفعهُ دفعا للتظاهُر والاحتجاج من خلال تطنيشهِ وممارساته وسلوكه وتعاملهِ ومقارباته الفاشلة وغير العادلة للأمور والأوضاع التي تعني عامة الناس، وتعني أحوالهم المعيشية والحياتية !.. فقبل أن تلقي اللوم على الحريق إلقي اللوم على من كانوا يلعبون بالنيران لزمنٍ طويلٍ وتسببوا بإشعال الحريق !!. لا يمكن لأي شعب إلا أن يحب المسئول النزيه المستقيم العادل الذي يعمل بشرف وأمانة وإخلاص لأجل المصلحة العامة .... وبالمقابل سيزدري ويلفظ المسئول غير النزيه الذي لا يعمل بشرف وأمانة وإخلاص ويستغل السلطة لمنافعه الشخصية والخاصة ولمنافع أهله وأقاربه وأصحابه وأزلامه ، ويدعس على كل قيم العمل المؤسساتي وكافة المعايير لإرضاء كيدهِ ولؤمهِ وعُقدِهِ ، بل لتنفيذ أوامر سائقه !!. أليسَ من حقنا القول : الخزي لهكذا مسئولين !.
 

2017-02-28
أكثر المساهمات قراءة
(خلال آخر ثلاثة أيام)