news edu var comp
syria
syria.jpg
مساهمات القراء
عودة إلى الصفحة الرئيسية
    مقالات
 
    خواطر
 
 
الأرشيف
أرشيف المساهمات القديمة
مقالات
هل ما زالتْ هناك دول تُبقِي سفراء في الخارج ما بين 10 أو 15 سنة ؟... بقلم : د. عبد الحميد سلوم

** لقد كرّمَ أمين عام الأمم المتحدة يوم 24/10/2016 ، سبعة سفراء في المنظمة الدولية .. ولن أتناول ذلك من ناحية سياسية ومهنية ووظيفية ، فمن المعروف أن كل سفير هو مُحامٍ للحكومة التي عيّنتهُ ومهمتهُ الدفاع عن هذه الحكومة وتنفيذ تعليماتها وتوجيهاتها وسياساتها ، وإلا فلن يستمر يوما واحدا ويتمُّ إعفاؤه حالا !.. السفراء لا يصنعون سياسات وإنما ينفذون سياسات !!. ولكن لِكلٍّ مقارباته وأسلوبهِ في التنفيذ !.. هذا مع أنّ التكريم أقامتهُ "الرابطة الدولية للمندوبين الدائمين World Association for Permanent Representative وليس الأمين العام الذي سينصرف قريبا ، ولكن برعايته فقط !. وهكذا روابط كثيرة ومعروفة بالأمم المتحدة وهي شكلية ليس إلا !.
*سأتناول الموضوع من وجهة نظر الفساد الإداري الخاصّ بالدولة التي تسمح لنفسها بأن تُبقي على سفراء عشر سنوات و 12 سنة و 13 سنة و 14 سنة ... وهكذا ، على حساب الكوادر الأخرى التي لا يعتبرونها من الوطن وإنما غريبة لأنها لا تتمتع بالسنَد والدّعم !!..


*حينما سمعتُ بالنبأ اعتقدتُ أن كافة تلك السفراء هُم من بُلدان الخليج ، فضلا عن سلطنة بروناي .. لأننا تعوّدنا بالماضي أن يكون عميد السلك الدبلوماسي في أي بلدٍ هو السفير السعودي إذ أن الحكومة السعودية تُعيِّنُ السفير وتنساه في مكانه ، وهذا مؤشِّر على مدى الفساد الإداري وعلاقة المحسوبيات التي تتحكّم بالدولة ،، ويبدو أن السعودية والممالك والإمارات والسلطنات ، تجاوزت هذا الموضوع واتّجهتْ نحو المعايير وتكافؤ الفُرص ومنحِ كل الكادر الدبلوماسي الحق في أن يشغلوا مناصب سفراء ، وأنّ منصب السفير بات مرتبة دبلوماسية عليا يتم الحصول عليها بالتدريج وليس بالتقفيز والنطنطة كما هو حاصل في دولتنا (التقدمية والوطنية بلا شك) .. ويبدو أن بلدي الحبيب ،سورية، قد ورِثَ هذه الظاهرة التي تعكسُ جمود الدولة وترهلها وفسادها الإداري وغياب كل أشكال المعايير بها لتحلَّ مكانها المحسوبيات والأمزجة والتنفيعات وعقلية الزُمر والشللية التي تتقاسم بين بعضها المناصب والمكاسب والامتيازات وتحتكرها!!.


**لاحظوا أسماء مندوبي الدول الذين تكرّموا وأمضوا عشر سنوات سفراء لدولهم في الأمم المتحدة ، هُم سفراء لإمارات صغيرة جدا في أوروبا كما إمارة ليختنشتاين (وهذه دولة في جبال الألب تقع بين سويسرا والنمسا ومساحتها مائة وستون كيلو متر مربع بينما عدد سكانها 35,000 خمسة وثلاثون ألف نسمة ...أو سان مارينو (وهذه جمهورية تقع في إيطاليا تبلغ مساحتها 61 كيلو متر مربّع وعدد سكانها حوالي ثلاثين ألف نسمة ) .. أو دولٍ لا يحكمها معايير ومؤسسات فعلية تقوم على تطبيق القانون والأحكام والقواعد والأسس وتُساءل وتحاسب ، وبينها بلدُنا وأنغولا ، وللأسف روسيا باتت من بين هذه الدول ، أو أشباه دول كما مدغشقر والسلطة الفلسطينية ، أو دولة بالاو في المحيط الهادي شرق الفيلبين وهذه مجموعة جُزُر تبلغ مساحتها 459 كم2 ، وعدد سكانها بحدود 21 ألف نسمة !!. لا يوجدُ دولة أوروبية واحدة ، أو دولة متقدمة ، أو حتى دولة من العالم الثالث تتوفّر فيها أدنى المعايير ، بين هذه الدول التي أمضى سفرائها عشر سنوات متواصلة !. فالدول التي تحترم ذاتها تحكمها قوانين ومعايير ولا مكانة فيها لِسفراء بالخارج 14 سنة أو 15 سنة أو 12 سنة أو 10 سنوات ، ولا حتى 5 سنوات !!.


*غالبية الدول الأوروبية لا تتجاوز مدة السفير في الخارج أربع سنوات وبعدها لا يمكن أن يبقى يوما واحدا أيٍّ تكن الظروف ... الولايات المتحدة مدّة السفير ثلاث سنوات لا تزيد يوما واحدا ، وحتى في جمهورية مصر الشقيقة لا يمكن أن تتجاوز مدة السفير ثلاث سنوات ، مع العلم أن هؤلاء كلهم من أبناء السلك الدبلوماسي ومن كوادر الخارجية ، ونادرا ما يكون بينهم سفيرا من خارج السلك الدبلوماسي ، وحتى إن حصلَ ذلك فلا يمكن أن يكون على حساب كوادر الخارجية أبناء المهنة الأساسيين ، فهؤلاء حقهم مضمون ويحصلون على ألقاب سفراء بالتدريج كإحدى المراتب الدبلوماسية العليا !!. إلا في سورية فهذا خاضعٌ للأمراض المتأصلة بالدولة ، وقبلها الأمراض المتأصلة في النفوس وفي عقول دُعاة التقدُّم ، التي قد تترك منصب السفير شاغرا لسنوات طويلة ولا يتمُّ ملأهُ ، إلا حينما يحين الوقت ويريدون تكريم شي واحد مدعوم ، فيمنحونه منصب سفير ، كَسُكّرة زيادة !!.


**في العام 2000 ومع بدأ عهد جديد بالدولة تحمّسَ أعضاء المجلس الاستشاري بالخارجية وخبطوا بالأيدي على الطاولة وأكّدوا أنه من اليوم وصاعدا سوف يتمُّ تطبيق القانون والمعايير وننتهي من المحسوبيات ولن نسمح ببقاء أي سفير فوق الخمس سنوات ولو يوما واحدا ... ولكن هذا الحماس لم يدُم طويلا حتى تلاشى كما المِلح في الماء !.


**في لبنان لم يكن هناك رئيس لمدة سنتين ونصف ومع ذلك لم يبقى السفير الأمريكي والبريطاني والفرنسي يوما واحدا زيادة على مدته ، فكانوا ينقلوهم حالا ويتم تعيين سفراء آخرين حالا ، يقدمون أوراق اعتمادهم للخارجية ويمارسون نشاطهم حالا كسفراء !..


*في المملكة العربية السعودية ومنذ 45 عاما كان هناك ثلاثة وزراء للخارجية ، وفي سورية منذ 45 عاما كان هناك ثلاثة وزراء للخارجية !.. وربما الفرق أن الخط البياني كان عندنا دوما يتجه نحو الأسفل .. وأتحدّث عن خبرة ميدانية وعملية وليس تدليسا وتنظيرا ، فقد عايشتُ زمن الوزراء الثلاثة الذين تناوبوا على الخارجية وعرِفتهم جيدا !..


** في كل دول العالم فترة السفير يتم تحديدها كما يتم تحديد فترة الرئيس ، وحتى في الأنظمة الملَكية يحددون ذلك ، إلا عندنا فالمسألة خاضعة لاعتبارات لا تمتُّ للعمل المؤسساتي ولِمفهوم الدولة ولا حتى للضمير بمثقال ذرّة ّ!.


**كمْ كنا نتعرض للإحراجات حينما يسألوننا في خارجيات البُلدان المُضيفة : لماذا لا تُعينون سفراء وتبقون سفاراتكم على مستوى قائمين بالأعمال ؟. طبعا كنا نعرف الجواب ولكن كنا نبتعد عن البوح به حتى لا نُبهدل دولتنا أمام الأجانب ونظهر كمْ نحنُ دولة تخلُّف ومزارع ومحسوبيات وبعيدون عن مفهوم الدولة ،، ونتذرّع أن هناك قِلّة في الكوادر !!. فيقولون لنا : ها أنتم رؤساء بعثات قائمون بالأعمال ، ألستُم كوادر ؟. لماذا يبقى واحدكم خمس سنوات رئيس بعثة على مستوى قائم بالأعمال ولا يكون على مستوى سفير؟!. طبعا السؤال في مكانه 100% ولكن بماذا تجيب ؟. عليك إما أن تكذب ، وإما أن تقول الحقيقة أنه حالما يتوفّر الدعم في أي يوم ، ففي اليوم الثاني سيكون القائم بالأعمال سفيرا!.. وهذا ما كان يحصل دوما ...أحدهم كان غير مرْضي عنه ، وكان قائم بالأعمال في يريفان ، ولكن ما إن أصبحَ له شقيقا في موقع النفوذ حتى أصبحَ مرْضيا عنه وفي الأسبوع التالي تحوّل من قائم بالأعمال إلى سفير ، وانفتحتْ بعدها أمامه الأبواب ، وما زالتْ حتى بعد أن وصل السبعين!.. ألا يستدعي هذا الشعور بالخزي من هكذا دول ومسئولين لا يفهمون إلا بلغة الدعم والمحسوبيات ؟!. هذه مصيبة في أي بلدٍ أن لا يكون لك أي حق إلا ما يمنحك إياه أهل السُلطة والنفوذ ، وليس القانون والمعايير والأسس !!. وأولئك لا يمنحونك أي حق ما لم تكن مدعوما ومحسوبا على شي مسئول !..


**لا يوجدُ غرابة من كل ما حصل في الدولة السورية ومؤسساتها ، فهذا تحصيل حاصل في كل دولةٍ لا تحكمها معايير وتكافؤ فرص وعدالة ، الأمر الطبيعي أن تنتهي إلى ما انتهتْ إليه الدولة السورية .. لأنهُ لا تعلو مصلحة الوطن والدولة على كل شيء إلا في الخطابات ، وإنما تعلو المصالح الخاصة والمحسوبيات على كل شيء بالممارسات والأفعال !!.


**لستُ ضد أحدٍ ، ولكن يحزنني ويؤلمني أننا لم نتمكن في أي وقتٍ من خلقِ دولة مؤسسات ومعايير وتكافؤ فرص وقانون ،، مع أنني لا أسمع من مسئولي ومسئولات الدولة إلا التأكيد أننا في دولة القانون والمعايير .. وكأنهم يستهزؤون بعقول الناس والحقيقة أنهم يستهزؤون بأنفسهم لأن الناس تعرف أن هذا الكلام لا يمتُّ للحقيقة بمثقال ذرّة ، وأننا في دولة الغاب ، دولة الأقوياء وأصحاب النفوذ والدّعم !.


**المندوب الدائم في نيويورك هو زميلي وابن دورتي الدبلوماسية ، وترتيبي كان الثالث وترتيبه 15ولكن لو كان هو ذاتهُ بشحمهِ ولحمهِ وطولهِ وعرضهِ ، لو بقي بدون دعمٍ من أبناء بلدهِ ، هل كان عُرِفَ؟. الجواب كلا ، لأنه لن يُعطى الفرصة كي يُعرَف ويسمع به أحد !!. هناك من سيقول أنه ما زال سفيرا منذ 13 عاما بين جنيف ونيويورك لأنه باتت لديه خبرة في المنظمة الدولية (وهذا صحيح) ، والسؤال : وماذا عن الآخرين الذين ما زالوا سفراء منذ 10 أو 13 عاما و 15 عاما ومِن دولة لِدولة ولا يعرفون المنظمات الدولية ؟. هل أولئك أيضا ضرورة ؟. كلا المسألة ليست مسألة ضرورة وإنما مسألة دعم ومحسوبيات وتنفيع ، فالبعض جَنَا ما يعادل مليار ليرة سورية في هذه السنين الطويلة كسفيرٍ وهذه لا يمكن أن يجنيها إلا المدعومين ومن هُم من عِظام رقبةِ هذا المسئول أو ذاك !!. وما أحلاهُم أن يأتوا بِغُرباء لا يهمونهم بشيء كي يُنفِّعوهم !!..


**رُبّ من قائلٍ هذه مقاربات سخيفة والمسألة ليستْ مسألة محسوبيات وتنفيع ، وإنما ضرورة ، وأؤكّد أن المسألة مسألة شخصنات وتنفيع وكل كلام عكس ذلك هو كذب !. فالوطن مليء بالكوادر ، وحتى الخارجية مليئة بالكوادر ولكن لا يتم اختيار إلا المدعومين والمحسوبين على هذا وذاك ،لتنفيعهم !. وأكبر دليل هو استقدام المدعومين والمدعومات من خارج السلك كله لتعيينهم سفراء وسفيرات !. هل هناك من يمكنهُ إقناعنا أن المجيء بسيدة من خارج السلك لترِثَ والدها سفيرة في باريس هو ضرورة وطنية ؟. ما هذا الكلام السخيف المهين لعقول البشر !؟. ثمّ لنفترض جدلا أن أحد هؤلاء "الضرورة" ، حصل له مكروها وفقدوه ، فهل سيعجز الوطن والخارجية لإيجاد بديلٍ له ؟؟. ما هذه الدولة التي لا يوجد بها إلا بضعة أشخاص صاروا كلهم "ضرورة" ولم يعُد هناك بديلا لهم؟. كلا ، إنها مسألة أنانيات وإقطاعيات ومحسوبيات وكيديات ، فلا أحدا يرغب في أن يرى آخرا يظهر ويبرز وينتفع ، ما لم يكُن من عظام رقبته ، أو محسوب عليه ، ويكون رهينة له كوليٍ لنعمته .. وهذا إن دلَّ على شيء فإنما على ضعف المشاعر الوطنية والمسؤولية إزاء الوطن !. والمُضحِك أنهم يأتون بسفراء بالواسطات والمحسوبيات ولا علاقة لهم بالسلك ثم لا يخجل هؤلاء من التنظير بالدبلوماسية على دبلوماسيين واحدهم لديه 35 سنة أو 30 سنة أو ربع قرن خدمة في السلك !..


**نعم، هذه هي العقول والثقافة التي جعلت كل ما حصل في سورية هو تحصيل حاصل لممارسات وسلوكيات هدّامة تراكمت على مدى أكثر من أربعة عقود !.. ولذلك لا شيء غريب تحت الشمس ، ولا شيء غريب في سورية في ظل هذه العقول التي تدعس على كل مفاهيم المعايير ، وحتى التراتبية والأقدمية كما كان يفعل مالك المزرعة التي كنتُ أعملُ بها الذي لم يجد في كل الوزارة واحدا مؤهّلا ليرأس مكتبه إلا سائق لا يحمل أي مؤهّل علمي ، وكانت كلمته هي الأعلى لِثمان سنوات !. يا للخزي !.. كيف يمكن لصاحب ضمير وطني أن يدافع عن هكذا ممارسات وفساد إداري !.


**أعتقد كل ما كتبتُهُ في هذا الخصوص ، سابقا ولاحقا ، يخدم بالدرجة الأولى كوادر الوزارة أو المزرعة التي عملتُ بها 35 سنة ، فلعلّهُ لا يكون بينهم ضحايا كما كان بين من سبقوهم ، ويتمُّ تطبيق معايير على الجميع ويتساوى الجميع ، ويحظى الجميع بتكافؤ الفرص , وتتوقف بالوزارة عقلية المزرعة وشريعة القوي والمدعوم ، والفرز على أساس هذا خْيار وذاك فقّوس ، وهذا ابن ستْ وذاك ابن جارية !!. هذا يفعلهُ مُحتل أجنبي مُستعمِر لِأبناء الوطن ، ولا يفعلهُ مسؤول ينتمي لأبناء الوطن ... بل ويدّعي أنه يحمل ثقافة المقاومة والممانعة والوطنية التي لا تعلو فوقها ثقافة !!. هذه كانت دوما مصيبتنا في مسؤولي بلدنا : كلام نظري في وادٍ وممارسات وأفعال في وادٍ آخرٍ !..

2016-11-28
أكثر المساهمات قراءة
(خلال آخر ثلاثة أيام)